أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
585
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
الباب الحادي والثلاثون 364 - إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك ، وهذا حالي لا يخفي عليك ، منك أطلب الوصول إليك ، وبك أستدل عليك لا بغيرك ، فاهدني بنورك إليك ، وأقمني بصدق العبودية بين يديك . قلت : هذا اعتراف منه رضي اللّه تعالى عنه بغاية الذل والانكسار ، وإظهار لشدة الفاقة والاضطرار ، وانطراح على باب مولاه في إظهار ذله وبث شكواه ، فلا شك أن اللّه سبحانه قد كساه حلة العز والافتخار ، وبهاه بين خلقه بالظهور والاشتهار ، حتى صار كلامه تتحلى به القلوب والأسماع ، ويعظم به التأثير والانتفاع ، وذلك ثمرة من تذلل بين يدي العزيز الحكيم الغني الكريم ، كما قيل : تذلّل لمن تهوى لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ وقال آخر : تذلّل لمن تهوى فليس الهوى سهل * إذا رضي المحبوب صحّ لك الوصل تذلّل له تحظى برؤيا جماله * ففي وجه من تهوى الفرائض والنّفل قال ذو النون المصري رضي اللّه تعالى عنه : ما أعز اللّه عبدا بعز هو أعز له من أن يدله على ذل نفسه ، وما أذل اللّه عبدا بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه انتهى . والحال الذي لا يخفي على مولاه هو حال الضعف والافتقار والذل والانكسار ، وإنما يكون ظهور ذلك الحال بتحقيق المعرفة والوصال ، ولذلك وصله بقوله : منك أطلب الوصول إليك لا من غيرك ولا على يد غيرك ولا إلى غيرك ، بل أنت تتولى قبض أرواحنا إلى حضرتك بيدك ، وتحول بيننا وبين غيرك ، وهو معنى قوله : وبك أستدل عليك لا بغيرك ، إذ لا وجود لغيرك معك على التحقيق ، وقد تقدم قول من قيل له : بم عرفت ربك ؟ قال : عرفت ربي بربي ، ولولا ربي ما عرفت ربي .